مهرجان المذرذرة… أي دور للثقافة وسط خلافات المشيخة؟

في شمال وغرب إفريقيا، لا تُقرأ المشيخات الصوفية بوصفها مؤسسات روحية فحسب، بل باعتبارها جزءا أصيلا من منظومة الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فهي، في وجدان شعوب المنطقة، أشبه بصمام أمان هادئ يعمل بصمت، يقي بإذن الله من الانزلاق إلى الفوضى والحروب الأهلية، لا بالقوة ولا بالخطاب الصاخب، بل بما راكمته عبر القرون من مصداقية ووجاهة وحنكة في إدارة التوازنات الدقيقة.

تحظى هذه المشيخات بثقة الأنظمة الحاكمة أولا ،  لا لأنها أدوات طيّعة، بل لأنها اختارت منذ وقت مبكر نهج المهادنة وتغليب منطق الاستقرار على منطق المغامرة، فكانت أقرب إلى الحكمة منها إلى السياسة، وإلى جمع الشمل منها إلى إثارة الانقسام. وفي الوقت نفسه، تحتفظ بعلاقات احترام متبادل مع قوى المعارضة، إذ إن موالاة هذه الأسر لا تُفسد ودا ، ولا تُلغِي مساحة النقد، ولا تُحول الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية أو دينية ،  أما عامة الناس، فينقسمون حيالها بين مريد ومحب ومتعاطف وحليف، وهو إجماع نادر لا تحظى به مؤسسات أخرى في الفضاء العام.

هذه الدبلوماسية الهادئة، وهذه الوجاهة المتراكمة، تمثل كنزا حقيقيا لشعوب المنطقة، وهي المستفيد الأول من هذا الدور النبيل ، ولعل من الأمثلة القريبة على ذلك تدخل الأسر الصوفية في السنغال إبان الأزمة التي عصفت بالبلاد خلال التوتر بين ماكي صال وعثمان سونكو، حيث لعبت دور الوسيط الذي يطفئ الحرائق قبل أن تستعر ، كما لا يمكن إغفال ما تنتهجه الدبلوماسية المغربية، بذكاء لافت، في توظيف الطرق الصوفية، وخاصة التيجانية منها، لتعزيز الحضور المغربي في العمق الإفريقي، بعيدا عن منطق الهيمنة، وقريبا من لغة الروابط الروحية والتاريخ المشترك.

ومن بين أبرز هذه المشيخات في المنطقة، تبرز أسرة آل الشيخ سعد أبيه، التي حافظ خلفاء الشيخ سعد بوه على نهجه القائم على التوازن، والسعي إلى ما فيه مصلحة البلاد والعباد، دون صخب ولا ادعاء ، غير أن هذه الأسرة شهدت مؤخرا خلافا حول الخلافة، ولست هنا بصدد الخوض في تفاصيل نزاع أسري، ولا الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك؛  ولكنها إكراهات الوضع الراهن !  فحين وقعت اللجنة المنظمة لمهرجان المذرذرة الثقافي في فخ هذا الخلاف، وأخذت موقفا غير محايد، كان لزاما على كمهتم بالشأن العام لبلدي  وبشأن المذرذرة خصوصا، أن أبدي موقفا واضحا مما جرى.

لقد تعرض أحد أطراف هذا الخلاف إلى تهميشٍ بدا فاضحا، مقابل تحيزٍ كامل للطرف الآخر ، واللافت أن الشيخ سيد الخير، صاحب العمامة، ما زال يحافظ، بتفان ووقار، على نهج الشيخ سعد أبيه، ولم ينجرّ إلى ممارسات دخيلة على تقاليد الأسرة ولا على سلوك أسلافها، وهو، فوق ذلك، يحظى باحترام السلطات في غرب إفريقيا، ويُعامل في السنغال وسائر دول المنطقة معاملة من يُنظر إليه بوصفه الامتداد الطبيعي لتلك السلسلة الروحية، كما يعتبره غالبية المريدين الخليفة الحقيقي للشيخ سعد بوه.

ومع ذلك كله، تعامل القائمون على المهرجان معه معاملة لا تليق بمكانته، وأعماهم انتظار المساهمات الكبيرة من الطرف الآخر عن تقدير مساهمته الكريمة، التي لم تكن يوما بقصد التبذير ولا الإسراف، البعيدين عن نهجه المعروف بالزهد والتعقل. 

هذا السلوك وضع سياسيين كبارا ومعارضين بارزين في حرج واضح، ودفع بعضهم إلى العزوف عن حضور المهرجان، لا موقفا من الثقافة، بل احتجاجا صامتا على غياب الحياد في نزاع عائلي لا ينبغي أن تُستَخدم فيه الفعاليات الثقافية.

إن تعبيري عن هذا الموقف، يحمل في طياته نداء إلي المشرفين على المهرجان بالمذرذرة بأن يُبعدوا الثقافة عن الحسابات الشخصية، وأن يتذكروا أنها حين تُستَخدم أداة للانحياز، تفقد جوهرها، وتتحول من جسر جامع إلى ساحة صراع لا رابح فيها.

 

محمد سمت ابياي ( نورالدين)

آخر تحديث: 18-12-2025 | 14:29

حرره

عبد الله الخليل

قسم تحرير الأخبار وصناعة المحتوى

قصص ذات صلة

النمجاط: الشيخ سيد الخير يندد بتدخل السلطات في نزاع أسري

الشيخ سيد الخير يعلق على الجدل الدائر حول مصدر أموال أهل الشيخ آياه

منت الشيخ آياه تنفي الشائعات وتؤكد شرعية أعمالها المالية

فيديو الأسبوع