تغيير العقليات أولا../ الداه ولد الفتى

يعتبر الكائن الحي الناطق على أي أرض إنسانا بالفطرة، وهو ما يحفزه لإثبات ذلك واقعيا، من خلال بناء ذاته كقوة كونية، تغير من نفسها كل حين بإذن ربها.

1

السينغال (جزيرة گوري) المحطة الأخيرة "للعبد الأفريقي" الذي تعد له الرحال للتهجير نحو المجهول، وسم ظل عقدة أبدية للإنسان السنغالي العاجز عن تجاوزه المعترف للشعوب المهجرة بهذا العار التاريخي وظلت السينغال ملعونة تاريخيا أينما حل مواطنوها أو ارتحلوا، فلا هم من الأفارقة الذين ينكرون استعمارهم و لا هم من الذين اشتهرو بالمقاومة والتضحية من أجل الاستقلال:

فقض الطرف إنك من نمير ** فلا كعبا بلغت و لا كلابا

لبرفسور عبد الله واد أيام حكمه الأخير رأى أن السم ربما يحوي دسما وأن الصاعقة لا تخلو من النور، فقرر تخليد الوسم رمزا للتاريخ الأفريقي، يأتيه الناس من كل حدب وصوب، تلبية لنداء الذات الأفريقية و استكشافا لتراث فترة (الخيل و الليل و العبيد) كما أوردها الكاتب "أحمد فال سيدي ميله"، في قراءة له عن القضية.

تمثال الحرية الأفريقية الذي اكتشفه "واد" يعتبر بمثابة التحدي أمام السنغاليين وربطهم بمسؤولياتهم اتجاه وطنهم وقارتهم لبناء مجد حضاري، يفخرون به أمام منتقديهم، بل تجاوز نداء "واد" في رسالته المنقوشة على حائط التمثال ناصحا: "تذكر العصور الظلماء التي عاشتها أفريقيا لتخرج بها إلى نور الحرية".

و بذلك وصلت السينغال إلى ما هي عليه اليوم متقدمة في عدة مجالات علمية و حتى في بناء الدولة نفسها نظاما و حكما رشيدا فأصبحت قدوة لغيرها و أصبح السنغاليون أنفسهم أسوة في تحدي الذات و تجاوز تحدياتها.

2

بعد سقطة الألمان أمام الاتحاد السوفياتي وجد الفوهرر هتلر نفسه وحيدا -على الأقل نفسيا - بعد ما كان من أضرار الحرب للألمان و النازية فابتكر كذبة المخزن رقم 13 و تم إنقاذ ألمانيا رغم ما كادت تؤول إليه و بدأت تغيير عقلية السيادة من القوة للعقل و من البندقية للعلم، هذا المثال أورده الكاتب الجزائري مالك بن نبي في دعوته لعصرنة الجزائر و استنجاد همم شعبه بعد الاستعمار فائلا: "لم تترك الحرب العالمية الثانية لألمانيا سوى الإنسان و الأرض و الزمان، فاستغل هذا الإنسان هذه الأرض طيلة هذا الزمن ليكون على ما هو عليه اليوم"، و لكم فيها الآن مثالا.

3

إذا بلغ الرضيع لنا فطاما :: تخر له الجبابر ساجدينا

عنتريات المقاومة التي نشبع بها الرغبة الجاهلية التي تخيم في عقولنا ليست بالضرورة لتخليد مجد أمة أو وطن و إنما هي للهروب من الفراغ التاريخي الفطري الذي يسكن كل إنسان بدوي و ليبقى الوطن بائسا كما كان، المهم أن أجدادنا أبطال قادة و علماء أجلاء و نحن كذلك إرثا: فالنفس نفس ملك و الحال .. حال فقير ما له احتيال التغيير تعتريه أحكام أولها الإيمان بالتاريخ خيره و شره و طرحه كليا للنقد و الاستنتاح و تخليده كرموز ملموسة تكون بمثابة أسلوب لتجهيز العقليات حتى تفيق الأمة واقعها ثم تقدم استراتيجية مستدامة محورها المواطن البسيط لا تتأثر بأفول نظام و لا بهز جذوع النخيل، تسود البلاد بها و تعلو و بها تسير على الصراط المستقيم.

 

الكاتب/ الداه ولد الفتى

آخر تحديث: 10-04-2018 | 14:29
شارك

حرره

عبد الله الخليل

قسم تحرير الأخبار وصناعة المحتوى

فيديو الأسبوع