ولد العلامة سيد احمد بن احمد يحي رحمه الله ليلة
السبت السادس عشر رجب سنة 1330هـ. الموافق فاتح يوليو 1912م ببلدة النعيمات
التابعة لمقاطعة واد الناقة والتي تبعد حوالي 40 كلم جنوب شرقي المقاطعة .
هذا
العلامة الفذ من أبوين كريمين هما : أحمد يحي بن سيدي محمود بن الخال
اليعقوبي، وأمه الصالحة القانتة خديجة بنت العلامة محمد مولود ابن أحمد فال
((آد)) اليعقوبي الموسوي .
كان كريم الأبوين طيب الطرفين فتعددت
ينابيع البيت الذي نشأ فيه وأينعت أرضه علما وورعا وزهدا وخلقا ، فقد ولد
بعد رحمة جده محمد مولود بحوالي سبع سنوات ، إلا أنه تربى في بيته وبين
كنوز مؤلفاته ، فنشأ في طاعة الله وارتوى من تلك العيون الثرة ، وكان كلف
بحفظ مؤلفات أهل آد وتدريسها، فقد أخذها وتعلمها من أقوى الأسانيد وأقصر
الطرق فأخذ القرآن الكريم عن والدته خديجة المذكورة كما حفظ عنها كثيرا من
مؤلفات والدها ، كما أخذ عن تلامذة محمد مولود ، ونذكر منهم:
الوالدة
وأخوها محمد الأمين ولد آد ، وحبيب ولد الزايد والمختار السالم بن العباس
والعلامة محمد عال بن نعم العبد ، ومحمد سالم بن ألما وغيرهم"..
في
مثل هذا المحيط النادر تربى هذا الإمام يتزود بالتقوى ،والهمة العالية
وترسم معالم شخصيته الفريدة فكان عقلا سليما في جسم سليم ممتلأ قلبه
بالإيمان الكامل والخشية وحب العلم والتعلم فملأ الله قلبه علما ونورا
ومهابة فتصدر للتدريس في عقده الثاني, وأمه طلاب العلم في هذه الربوع ،
فكان محط الرحال لذوي الحاجات والراغبين في تزكية النفوس وتحصيل علم
الشريعة والحقيقة ومع قصور باعي وقلة إطلاعي فسأكتفي بقبس من هدي هذا الشيخ
الذي شرفني الله بأنه خالي ومع ذلك والدي الحنون ومعلمي الملهم والقدوة
المثلى ، أشير فقط إلى أنه جمع بين الدراسة والتدريس في بداية مشواره
واستمرت محظرته سبعة عقود قبلة لطلاب العلم ودعاة الخير .
وشهد له
أهل الفضل بالفضل نظما ونثرا واكتفى بما عبر عنه تلميذه : العلامة شيخنا
القدوة الكريم محمد الحسن بن احمد الخديم حفظه الله بحرمة الحواميم
والطواسيم ، فقد حدثني مرة أن الشيخ سيد احمد طلب منه شرح الكفاف ، فاستجاب
لذلك الطلب على احسن ما يرام ، وأبدع وأجاد "بالمرام "
يقول في مقدمة كتابه : ((مرام المجتدي من شرح كفاف المبتدي )) .
كان رحمه الله حسنة من حسنات الدهر
حلف الزمان ليأتين بمثله حنثت يمينك يا زمان فكفر
فكان
رحمه الله معلما وإماما وداعيا إلى الله على بصيرة وناصحا لطلابه مهيبا لا
يتميز عنهم ولا يبخل عليهم بتغذية البدن والروح ، فكان يدرس الفنون
المعروفة في منهاج المحظرة بطريقة بديعة تجمع محاسن التلقين والحفظ،
والاستقراء والقياس
وهذه
الطريقة لها جذورها من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، وهو
المنهج الذي اتبع لتدوين القرآن والحديث والسير والمغازي واشعار العرب
...إلخ
ومن ثم شاعت المقولة المشهورة وكثيرا ما يستطردون بيتي أبي حيان رحمه الله :
إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم
و تلتبس الأمور عليك حتى تكون أضل من "توما " الحكيم
طريقته في التدريس :
لا
تختلف كثيرا عن طريقة شيخ الشيوخ وسيد المعلمين والعارفين العلامة : يحظيه
بن عبد الودود رحمه الله فقد كان بارعا في استخدام وسائل الإيضاح وضرب
الأمثلة وكان سيد أحمد رحمه الله ينوه بطريقة "اباه " التي تلقاها طلابه
بالقبول وخاصة علامة عصره وفريد دهره محمد سالم بن المختار بن ألما رحمهم
الله ، وكان يقف عند أهم محطات "أباه " في استخدام وسائل الإيضاح.
من
ذلك : تشبيهه لعناصر الجملة الاسمية بخيمة مضروبة على ركيزتين تسقط
الخلفية منهما بدخول الأفعال النواسخ كما تسقط الأمامية بدخول الحروف
النواسخ .....
وقد نبه مم ولد عبد الحميد أحد تلاميذ الشيخ يحظيه
رحمهم الله إلى نجاعة طريقته منوها بدورها في نقل العلوم وتوزيعها بين كافة
الطلاب وفي ذلك يقول :
وكان في إقرائه يصوغ عبارة لفهمهم تسوغ
يريهم المعنى اأخا الطموس مبرزا في صورة المحسوس
فقد
أدرك شيخنا حاجة الطلاب الذين أنهكهم التكرار والاستذكار إلى محفزات تدفع
السأم وتشحذ الهمم ، فكان رحمه الله يمازح ولا يقول إلا الحق " فكان حريصا
على التنبيه إلى ما يروى عن شيوخه وشيوخهم والتزامه بصحة الرواية عنهم خاصة
إذا كانت للموقف دلالة تحمل طابع النكتة واللطائف والألغاز وإنني اسطر
اشتياق طلاب سيد أحمد وجلسائه إلى تلك العذوبة والطراوة والدقة في ضرب
الأمثلة وطرح الصور بالرسم على أديم الأرض فكان مجلسه منشطا للعقول
ويربيها على العمل للدار الأخرى ويزهدها في متاع الدنيا وكأنه دائما يدرس
مطهرة القلوب أو قصيدة المقصور الممدود ، ولذلك نصحني شيخي وهو الطبيب
المؤتمن والناصح الحكيم :
محمد الحسن ولد أحمد الخديم بمجالسة هذا
الشيخ لأنه يعرف أن خلقه القرآن وأن رؤيته تذكر بالله وأن الحكمة تدخل كما
خرجت ، فهو مطهرة تمشي ومأدبة تتحدث وقرآن يتلى وتطوى به ساعات الليل
والناس نيام ، يقري الضيف ويكرم الزائر ويرفد المحتاج ومع ذلك كان أزهد
الناس في الدنيا فأحب الله كما زهد في ما عند الناس فأحبه الناس ، لا يعرفه
بواب الحاكم ولا حاجب المدير ........
واقتطف نماذج من رثائه من شهادة طلابه الأعلام يقول الشيخ محمد الحسن ولد أحمد الخديم :
سار سمي شيخنا التجاني شيخ الهدى برحمة الرحمن
لا زالت الرحمة تترى سرمدا على ضريح الشيخ سيد احمدا
حسن الاخلاق الحميد السيره بين الأنام الطيب السريره
من في المعالي بذ كل قرن وعاش في الطاعات قرب قرن
يعمر الأوقات بعلم وعمل والصبر والزهد وتقصير الامل
والحلم والبذل ونشر العلم يفيد الأمي وغير الامي"
ويجاهد النفس وإبليس اللعين" ويتحلى بمقامات اليقين"
وقال
محمد الأمين بن أحمد بن حمن،
من قصيدة طويلة :
فسيدي أحمد المولى أجدبه ما كان من دينه بين الورى خلقا
تخاله الأشعري إن همت في شبه أورمت مشهور فقه صفوة العتقا
وهو الجنيد لمن يبغي الوصول إلى مولاه مهما يخف من قاطع طرقا
ما انفك يبذل للطلاب محتسبا علما به ما ابتغى نضرا ولا ورقا
كان البصير ما يصفى قلوبهم وما لرتق فهوم منهم فتقا
كم من سوابغ علم قد سقى حلقا ومن سوابغ آداب كسا الحلقا
وانهضت حاله من همة وهدت أخلاقه الغرر الفئام والفرقا
حديثه وحديث حسنهما به الرواة تسير النص والعنقا
ويقول تلميذه العلامة محمدن ولد محمد المامي ولد عم :
سيدي أحمد بن احمد يحي الـ ـعالم العامل الأجل الفريد
ورع كيس كريم السجايا زاهد عابد نمته جدود
سل خبيرا به وسائل "خليلا " فالتلاميذ والنصوص شهود
وإذا اقرأ الكفاف فما المقـ ـرئ إلا محمد مولود
وقال تلميذه محمد سالم ابن النيه :
تولى العيلم القطب المعلى إمام الحق والندب الوقار
ومن بين المحافل كان يعلو له في كل منقبة شعار
خلائقه الزكية لا عقار يدانيها ولا عسل مشار
فكم يحلو لزائره مزار وكم يصفو لمجتور جوار
له حلم تهون له الرواسي إذا ما طاش أفئدة كبار
ووجه مثل سيرته مضيئ وكف لا يكف لها انهمار
فما أنسى مجالسه اللوائي بها تهمي هوامره الثرار
وقال العلامة أحمد فال بن الفقيد :
مولود هذا الوالد الموجب في ليلة السبت بوجه رحب
كانت له النعيمات مهدا فقبلن نجدها والوهدا
كم جاد الاشهر علي الانام وكان ذا ود مدى الأيام
له في الأرض وضع القبول جل وذا على حب العلي له دل
سلم منه كل مسلم فما يخشي يدا منه ولا يحشي فما
يلقى الانام بمحياه الطليق وهو لكل من يلاقيه صديق
وهذه كلمة بها كلام قد يؤم " واليقس عليها ما لم يقل"
والحمد
لله على نعمائه وما منحنا من هباته وعطائه ، أن المحظرة ولله الحمد مازالت
تواصل عطائها على يد أبناء إمامها ومؤسسها ،وقد انضافت إليها محظرة متخصصة
في تدريس القرآن الكريم إلى جانب الفقه واللغة والقواعد والتصوف ..
وهذه
المحظرة تمنح الإجازة في مقرئ الإمام نافع ، كما تواصل نهج الفقيد في
انتشار آثار الإمام محمد مولود بن أحمد فال وابنه محمد الأمين ووالده احمد
فال رحم الله السلف وبارك في الخلف والحمد لله رب العالمين.
توفي رحمه الله عصر الثلاثاء 25 ابريل 2006 في منزله بقرية تندغيد سات
ودفن بجوار جده محمد مولود بن أحمد فال في مقبرة العرش .
الباحث محمد الأمين ولد حمين